مجموعة مؤلفين

32

النور الأبهر في الدفاع عن الشيخ الأكبر

فكانت سببا لاعتزاله ، وتبديل أقواله بأحواله ، وأثرت فيه غاية التأثير ، وأفاضت عليه كل خير كثير ، حتى قال : نهاية إقدام العقول عقال * وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا * وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا * سوى ما جمعنا منه من قيل وقال وكم قد رأينا من رجال ودولة * فبادوا جميعا مسرعين وزالوا وكم من جبال قد علت شرفاتها * رجال فزالوا ، والجبال جبال وأما الإمام شيخ مشايخ الإسلام الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام رضي اللّه عنه « 1 » فقد روى أقضى القضاة ، مفيد الحاضر والبادي ، مجد الدين الفيروزآبادي رضي اللّه عنه

--> ( 1 ) هو سلطان العلماء عبد العزيز بن عبد السلام . العلامة ذو الفنون . وحيد عصره ، عز الدين السلمي الدمشقي ثم المصري ، شيخ الشافعية ، وقدوة الصوفية ، أمام عزّه دائم ، وطائر فضله حائم ، وبحر كمال موجه زاخر ، وجوهر علومه فاخر . كان وافر التقشف ، تارك التكلف ، حسن الخلق ، مهاب المنظر ، آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، عظيم الجد والمجهادة ، احتلم في ليلة شديدة البرد ، فجاء إلى جامد فكسره واغتسل ، فكادت روحه تزهق ، ثم احتلم ، ففعل مثل ذلك ، فأغمى عليه وكاد يهلك ، فسمع قائلا : لأعوضنك بها عز الدنيا والآخرة ؟ هذا وقد بلغ رتبة الاجتهاد ، وقصد للأخذ عنه من أطراف البلاد . وله التصانيف المفيدة ، والمناقب التي يبلى الزمان وهي جديدة ، درس بدمشق وبها خطب ، ورقى بمصر عند سكنه بها إلى أسمى الرتب ، ولي الحكم بالديار المصرية ، وحاز قصب السبق في ميدان طائفته العصرية . أخذ الفقه عن ابن عساكر ، والأصول عن الآمدي ، ورحل إلى بغداد ، وكان يلبس قبعا لبادا ، ويحضر به المواكب السلطانية بلا عمامة .